محمد طاهر الكردي
266
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قالت : يتيم ليس له أب يرعاه أو يكلؤه ، إنما هو إلى أمه وجده . وما تصنع أمه وما يصنع جده ، وماذا تنتظر من بر الأمهات بالمراضع ومن بر الجدود بالحفدة ، وإنهم لكثير . قال : صدقت ، وما لإرضاع اليتامى والمساكين أقبلنا من ديار بني سعد . وإني لأجد في نفسي إشفاقا على هذا اليتيم رحمة له ، ولكن ماذا نصنع به في تلك الأرض النائية إذا لم يصل إليه وإلينا من برّ أهله ما يقيمه ويقيمنا ، ويصلح من حاله ومن حالنا ؟ قالت : لقد رأيته فأحببته ، ونظرت إليه فرققت له . ولقد أنست من أمه دعة ولينا ، ولقد نازعتني نفسي إلى أن أحمله لولا أني أشفقت مما تقول ، ولولا أني ذكرت الجدب وشدة السنة وانقطاع المادة وأشفقت عليه مما نحن فيه . قال الأعرابي : فسنقفل إذا كما أقبلنا ، ويقفل القوم راضين . وإني واللّه يا ابنة أبي ذؤيب ما أدري أتبلغنا أتاننا وشارفنا ديار بني سعد ، وإنك لتعلمين أن أتاننا منهوكة مكدورة ، وأن شارفنا ما تبض قطرة من لبن . قالت : فلنقم ، فإن الأطفال يولدون ، ولعل اللّه أن يرزقنا بين اليوم وغد رضيعا نجد عند أهله ما يرضينا . وهمّ المراضع بالقفول ، وأخذت بنت أبي ذؤيب تنظر إليهن محزونة مكلومة يؤذيها ما ترى من إنجاحهن وإخفاقها ، ومن قفولهن وتخلفها ، وأخذ الأعرابي ينظر إلى رفاقة يشدون الرحال على المطايا ، ويحملون النساء على الأتن فيؤذيه ذلك ويغيظه ، ولكنه يخفي ما يجد من الغيظ ، ويظهر التجلد والصبر . حتى إذا مضى اليوم وأمعنوا في الطريق وبعدوا عن مرمى العين ، نظر الرجل إلى امرأته ونظرت المرأة إلى زوجها ، ونظر الزوجان إلى ابنهما واستمعا لبكائه ، وإذا هي تقول لزوجها : ما أدري . لعلي لم أحسن حين جاريت أترابي وأعرضت عن هذا اليتيم ، وإن نفسي لتنازعني إليه ، وإن قلب ليعطفني عليه ، وإني لأحس كأنه يدعوني ، وإني لأشعر كأني لا أستطيع عنه صبرا ، وإني لأرجو إن استجبت لهذا الدعاء الخفي أن يكون اللّه قد قدر لنا خيرا وآثرنا ببعض ما نحب . قال : فلا عليك يا ابنة أبي ذؤيب ، اذهبي إلى يتيمك فخذيه ، فإني أكره أن يرحل القوم ونبقى ، وأن يصلوا إلى ديار بني سعد فيتحدث المراضع أنهن قد ظفرن بالرضعاء وأن نفوس الآباء والأمهات قد انصرفت عنك وزهدت فيك .